وكأن الأفلام مصنوعة من مادة الأحلام نفسها. حيث كل حركة على الشاشة تربطك بها وقد تجعل عينيك تدمع أو قلبك يرتجف، قد تجعلك ترقص فرحًا أو تحزن حتى تريد الاختفاء. نتأثر بالأفلام ونرتبط بالمشاهد وكأنها حقيقة تقع أمام أعيننا. حتى أن التأثر يكون حقيقيًا والدموع تكون حقيقية والفرحة تهز القلب.
ذلك التأثر ليس عن ضعف أو حساسية زائدة، وإنما تتضافر كل العناصر المكونة للمشهد لتخلق تأثرنا به. فأنت تتحد نفسيًا مع فكرة الكاتب والحالة التي صنعها المصور بإضاءته والصورة التي تحكم في مقاييسها المونتير والموسيقى التي تمنح المشهد حساسيته والرؤية التي صاغها عقل وقلب المخرج. ذلك التأثر يأسر نفس المشاهد ويهز قلبه ويدفع دموع الحزن إلى عينيه أو يجعل قلبه يرقص فرحًا أو يدفع بالحماس والنشوة إلى العروق.
كل مشهد صنع بحساسية ووضع فيه صانعيه أفكارهم قد يؤثر في المشاهد. فمن منا لم يتأثر ويكسر الحزن قلبه وتندفع الدموع لعينيه بمشاهد غرق جاك في فيلم Titanic؟ ومن لم يفرح ويهتز قلبه عند مشهد نهاية فيلم You've Got Mail حيث تعرف كاثلين كيلي أن جو فوكس صديقها اللدود هو مراسلها الغامض؟
لقد بكينا على غرق جاك كما لو كان غرقه ونهايته هي نهاية شخصية لنا ولأحلامنا. جاك كان يمثل الروح الطيبة التي لم تتلوث بشرور المال، وكانت تملؤه الأحلام والفن والحرية والانطلاق، وبغرقه شعرنا أننا فقدنا كل هذا ولم يعد أمامنا إلا مواجهة الواقع بكل قسوته وعنفه.
وكانت رحلة كاثلين كيلي ملهمة للغاية. امرأة وحيدة تحاول الحفاظ على المكتبة التي تملكها وذكرى أمها أمام توحش الرأسمالية. نتوحد مع كاثلين ونخوض معركتها لكنها في النهاية تعلن استسلامها وتندفع الدموع من عيوننا تأثرًا في لحظة إغلاق أبواب المكتبة. وينتصر الفيلم للحياة في نهايته فنرى أن حياة كاثلين استمرت بل ووجدت حبها الحقيقي، فتفرح كاثلين وتهتز قلوبنا فرحًا معها.
أتساءل من منا لم يتأثر برحلة هاري بوتر وصراعه العنيف ضد اللورد فولدمورت، الطفل اليتيم الوحيد الحزين الخائف ضد أعظم سحرة الأرض؟ كيف لا نتأثر برحلته ونفهم أن الحب والصداقة والطيبة والبراءة ليسوا مرادفًا للضعف، وأن تلك القيم النبيلة قادرة على أن تهبنا القوة لهزيمة الشر والظلام؟
أهدتنا رحلة هاري بوتر على مدار ثمانية أفلام القوة على أن نؤمن بأنفسنا وبنقاء قلوبنا، فعرفنا قيمة الحب والصداقة.
وماذا عن كل الأفلام الحربية التي بكينا فيها مع الجنود لاعنين الحرب وأهوالها، متأثرين بلحظات هزائمهم وانتصاراتهم؟ هل ينسى أحد الرحلة الرهيبة التي خاضها الكابتن جون ميلر لإنقاذ الجندي رايان؟ هل ينسى أحد تاريخ الرصاصة التي بقيت في جيب الجندي محمد بعد أن عاد بها من الحرب لينتصر بها في الداخل على من سرق أرضه واعتدى على حبيبته؟
حتى أفلام الفضاء والخيال العلمي نجحت في اقتناص تعاطفنا وتأثرنا بها. فجوهر فيلم Interstellar هو رغبة أب في العودة لابنته، ومحاولات عالمة فضاء لبناء عالم رحب طيب تستطيع أن تعيش فيه بأمان مع حبيبها. من هنا تأثرنا عندما ودع كوبر ابنته ميرفي المراهقة ودمعت أعيننا لحظة لم شمله على ميرفي ابنته العجوز. وشعرنا بالأمل يغمرنا في المشهد الأخير حيث د. براند ترعى الأجنة في عالم بعيد تحلم بتعميره.
التأثر لا يرتبط بالمشاهد الحزينة فقط، وإنما أيضًا بالمشاهد الحماسية أو الممتلئة بعواطف الحب العائلي أو بالأمل والفوز والتحقق. فنجد أننا تأثرنا بنجاة آندي وهروبه من خلف أسوار شاوشانك، وتأثرنا بعودة كوبر للأرض وبقضاء هاري بوتر على اللورد فولدمورت. إذن نحن نتأثر ونعبر بدموعنا عن تأثرنا عندما نشعر بالسعادة والحب والفرح ولم الشمل. ليست الدموع كلها حزنًا أو ألمًا.
كل هذا التأثر والتماهي مع القصة والشخصيات تصنعه الأفلام. فالأفلام تستطيع أن تعبر عن كل مشاعرنا المكبوتة ورغباتنا غير المتحققة. فنرى أحلامنا وآمالنا وأفراحنا ومخاوفنا وإخفاقاتنا ونجاحاتنا متجسدة أمامنا على الشاشة، في قاعة السينما المظلمة التي تكون بمثابة عالم وسيط نعيش ونحيا فيه كل ما نرى. ونحن نعلم أنه بانتهاء مدة العرض سوف نطوي اللحظات ونعود لحياتنا العادية، آمنين من الوحش، مطمئنين على الغد، غير قلقين على مصير بدا لساعات كما لو كان مصيرنا المحتوم.
فعندما لا نستطيع الحصول على ما نرغب به في الحياة نبحث عنه لعدة ساعات في الخيال بداخل الأفلام. في الأفلام نستطيع أن ننقذ الأميرة من الوحش، وندافع عن الضعيف، ونهزم القوي، وننتقم من الشرير. في الأفلام ننتصر لهزائمنا ونحقق أحلامنا ورغباتنا. في الأفلام كل الأحلام محققة، ومن حقك كمشاهد أن تنتصر لكل مشاعرك ورغباتك. ربما في الحقيقة لن تتزوج الأميرة ولن تهزم لورد الظلام ولن تحكم العالم، لكن تستطيع كل ذلك في قاعة السينما. فكيف لا نتأثر نفسيًا بالأفلام؟!